محمد متولي الشعراوي

1429

تفسير الشعراوى

والرسالة الجديدة تعطى ما كان موجودا أولا ، فيما يتعلق بالعقائد والأخبار ، والأشياء التي لا تتغير ، وتأتى الرسالة الجديدة بالأحكام المناسبة لزمن الرسالة . فإذا ما أمكن للبشر أن يعدلوا من سياسة البشر ، يظل الأمر كما هو ، فإن ارتكب واحد منكرا وضرب قومه على يده ، استقام أمر الرسالة وبقيت هذه الأمة على الخير . لماذا ؟ لأن مصافى اليقين في النفس الإنسانية موجودة ، ونحن نراها ونلمسها . إن هناك واحدا تجد مصافى اليقين في ذاته ، وقد لا يقدر على نفسه ، فيرتكب المعصية ، وتلومه نفسه ، فيرجع عن المعصية . ومرة أخرى نجد إنسانا آخر لا يجد في نفسه مصافى اليقين ، ولكنها موجودة في غيره ، فنجد من يأمره بالمعروف ، وينهاه عن المنكر ، فإذا امتنعت المصافى الذاتية للإيمان ، وكذلك امتنعت المصافى الإيمانية في المجتمع ، فلا أمل هنالك ؛ لذلك يجب أن يأتي رسول جديد ، وينبه الناس بمعجزة ما . لقد شاءت إرادة الحق سبحانه ألا يأتي رسول آخر بعد سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وفي ذلك شهادة لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بأن اللّه أمنها على منهج اللّه ، فإذا منعت من أي نفس مصافيها الذاتية فستبقى مصافيها الاجتماعية ، ولا بد أن يكون في أمة محمد ذلك ؛ لأن امتناع ذلك كان يستدعى وجود نبىّ جديد . إن اللّه أمن أمة محمد على منهجه ، ولذلك لم يأت نبىّ بعد سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . لقد أمن الحق أمة محمد فلم يمنع فيها أبدا المصافى الذاتية أو الاجتماعية ، ولذلك يأتي القول الحق : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ( من الآية 110 من سورة آل عمران ) إن هذا توجيه لنا من الحق لنعرف أن المصافى الاجتماعية ستظل موجودة في أمة سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذن فبعد حدوث الغفلة من بعد نوح عليه السّلام جاء اللّه باصطفاءات أخرى رحمة منه بالعالمين ، ويقول الحق : « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ » . ونحن نقول على إبراهيم عليه السّلام : « أبو الأنبياء » وأورد الحق نبأ بعض من أبناء آل إبراهيم ، وهم آل عمران وأعطاهم ميزة .